أبي منصور الماتريدي

54

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فيها . ولو لم يكن شرطا في ذلك لكان قوله : وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ كافيا إذ لم يكونوا في المساجد وقت لحوق النهى للمباشرة . والله أعلم . وفيه دليل أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد « 1 » ، حيث خص المساجد دون غيرها من الأمكنة . وفيه دليل أن المعتكف قد يخرج من معتكفه « 2 » ، لكنه لا يخرج إلا لما لا بد

--> ( 1 ) أجمع الفقهاء على أنه لا يصح اعتكاف الرجل والخنثى إلا في مسجد ؛ لقوله تعالى : وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ وللاتباع ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يعتكف إلا في المسجد . واتفقوا على أن المساجد الثلاثة أفضل من غيرها ، والمسجد الحرام أفضل ، ثم المسجد النبوي ، ثم المسجد الأقصى . واتفقوا على أن المسجد الجامع يصح فيه الاعتكاف ، وهو أولى من غيره بعد المساجد الثلاثة ، ويجب الاعتكاف فيه إذا نذر الاعتكاف مدة تصادفه فيها صلاة الجمعة ؛ لئلا يحتاج إلى الخروج وقت صلاة الجمعة ، إلا إذا اشترط الخروج لها عند الشافعية . ثم اختلفوا في المساجد الأخرى التي يصح فيها الاعتكاف : فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد جماعة . وعن أبي حنيفة : أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلوات الخمس ؛ لأن الاعتكاف عبادة انتظار الصلاة ، فيختص بمكان يصلى فيه ، وصححه بعضهم . وقال أبو يوسف ومحمد : يصح في كل مسجد . وصححه السروجى . وعن أبي يوسف : أنه فرق بين الاعتكاف الواجب والمسنون ، فاشترط للاعتكاف الواجب مسجد الجماعة ، وأما النفل فيجوز في أي مسجد كان . ويعنى الحنفية بمسجد الجماعة : ما له إمام ومؤذن ، أديت فيه الصلوات الخمس أو لا . واشترط الحنابلة لصحة الاعتكاف في المسجد أن تقام الجماعة في زمن الاعتكاف الذي هو فيه ، ولا يضر عدم إقامتها في الوقت الذي لا يعتكف فيه ، وخرج من ذلك المرأة والمعذور والصبى ومن هو في قرية لا يصلى فيها غيره ؛ لأن الممنوع ترك الجماعة الواجبة ، وهي منتفية هنا . والمذهب عند المالكية والشافعية أنه يصح الاعتكاف في أي مسجد كان . ينظر : ابن عابدين ( 2 / 441 ) ، حاشية العدوي ( 1 / 410 ) ، المجموع ( 6 / 483 ) ، مغنى المحتاج ( 1 / 450 ) . ( 2 ) اتفق الفقهاء على أن الخروج من المسجد للرجل والمرأة - وكذلك خروج المرأة من مسجد بيتها عند الحنفية - إذا كان لغير حاجة فإنه يفسد الاعتكاف الواجب ، وألحق المالكية وأبو حنيفة - في رواية الحسن عنه - بالواجب الاعتكاف المندوب أيضا ، سواء أكان الخروج يسيرا أم كثيرا . أما إذا كان الخروج لحاجة فلا يبطل الاعتكاف في قولهم جميعا إلا أنهم اختلفوا في الحاجة التي لا تقطع الاعتكاف ولا تفسده على النحو التالي : أ - الخروج لقضاء الحاجة والوضوء والغسل الواجب : اتفق الفقهاء على أنه لا يضر الخروج لقضاء الحاجة والغسل الذي وجب مما لا يفسد الاعتكاف ، لكن إن طال مكثه بعد ذلك فسد اعتكافه . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول ؛ لأن هذا مما لا بد منه ، ولا يمكن فعله في المسجد ، فلو بطل الاعتكاف بخروجه له لم يصح لأحد الاعتكاف ، ولأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يعتكف ، وقد علمنا أنه كان يخرج لحاجته . وروت عائشة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا ، وله الغسل والوضوء والاغتسال في المسجد إذا لم يلوث المسجد عند -